عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
241
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
وما النفس الا حيث يجعلها الفتى * فإن اطمعت تاقت والا تسلت وكثير من عامة الناس زهدوا تدينا لما في الزهد من خفة المؤونة ، وسهولة الحساب ، يقولون كما قال محمد بن واسع : « يعجبني أن يصبح الرجل وليس عنده غذاء ، ويمسي وليس عنده عشاء ، وهو مع ذلك راض عن اللّه » . وكما يقول ابن الحارث الخراساني « 1 » : « الجوع يصفي الفؤاد ، ويميت الهوى ويورث العلم الدقيق . والمتقلب في جوعه كالمتشحط في دمه في سبيل اللّه » لقد صرف هؤلاء الزهاد نفوسهم عن الشهوات وأكثروا من ذكر الموت والقبور ، وآثروا ما يبقى على ما يفنى ، ورفضوا أن يمدوا أيديهم لأخذ عطاء من خليفة أو وال ، وقنعوا بالقليل . كالذي فعل إبراهيم بن إسحاق الحربي « 2 » فقد أفنى من عمره ثلاثين سنة لا يأكل إلا رغيفا واحدا في اليوم والليلة ، إن جاءته به زوجته أو احدى بناته أكله وإلا بقي جائعا ظامئا إلى الليلة الثانية . وقد عاش أكثر عمره على كسر يابسة وملح ، وربما عدم الملح . ورفض أن يأخذ ألف دينار بعث بها اليه المعتضد . وأنفق مرة في شهر رمضان كله درهما وأربعة دوانيق ونصفا . ويعبر أبو العتاهية عن نزعة الزهد ويصور حياتهم القائمة على الكفاف والتقشف فيقول : رغيف خبز يابس * تأكله في زاوية وكوز ماء بارد * تشربه من صافية وغرفة ضيقة * نفسك فيها خالية معتبرا بمن مضى * من القرون الخالية خير من الساعات في * فيء القصور العالية تعقبها عقوبة * تصلى بنار حامية هذا التناقض بين حياة الطبقة الأرستقراطية وأجيالها الغارقة في الدعة والنعيم وبين هذه الطبقة الزاهدة التي أعرضت عن حب الحياة وعاشت على الضنك والضيق تتقطع
--> ( 1 ) هو بشر بن الحارث الحافي الخراساني نزيل بغداد المتوفى سنة 227 ه . ، النجوم الزاهرة ج 2 - ص 167 . ( 2 ) كان من كبار المحدثين ، كان يقاس بابن حنبل في عمله وزهده ، انظر ترجمته في تاريخ بغداد ج 6 - ص 27 ومعجم الأدباء ج 1 - ص 112 وشذرات الذهب ج 2 - ص 190 .